أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
196
العقد الفريد
وأماتت بحبها قلوبكم ، استوحش منكم ، فكنت إذا نظرت إليه حسبته حيا وسط أموات ؛ يا داود ، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك ، أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها ، وأتعبتها وإنما تريد راحتها وأخشنت المطعم وإنما تريد طيبه ، وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه ، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر ، وعذّبتها قبل أن تعذب ؛ سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ، ولا جليس معك ، ولا فراش تحتك ، ولا ستر على بابك ، ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك ، ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك ؛ يا داود ، ما تشتهي من الماء باردة ، ولا من الطعام طيّبه ، ولا من اللباس لينه ؛ بلى ، ولكن زهدت فيه لما بين يديك ؛ فما أصغر ما بذلت وما أحقر ما تركت في جنب ما رغبت وأمّلت ، فلما مت شهرك ربّك بفضلك ؛ وألبسك رداء عملك ، فلو رأيت من حضرك علمت أن ربك قد أكرمك وشرّفك . للأحنف على قبر أخيه : وقف الأحنف بن قيس على قبر أخيه فأنشد : فو اللّه لا أنسى قتيلا رزئته * بجانب قوسي ما مشيت على الأرض « 1 » بلى إنها تعفو الكلوم وإنما * نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي ووقف محمد بن الحنفية على قبر الحسين بن علي رضي اللّه عنهما فخنقته العبرة ثم نطق فقال : يرحمك اللّه أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فلقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح ضمه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك ، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء « 2 » ، غذتك أكف الحق ، وربيت في حجر الإسلام ، فطبت حيّا وطبت ميتا ، وإن كانت أنفسنا غير طيّبة بفراقك ، ولا شاكّة في الخيار لك .
--> ( 1 ) قوسي : بلد بالسراة . ( 2 ) أصحاب الكساء هم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وفاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام .